سبع سنوات على فضّ الاعتصام في الخرطوم: كيف يقود غياب العدالة إلى تكرار المأساة؟
سبع سنوات على فضّ الاعتصام في الخرطوم: كيف يقود غياب العدالة إلى تكرار المأساة؟
بعد سبع سنوات على واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في الذاكرة السودانية الحديثة، تبدو الذكرى السنوية لمجزرة فض اعتصام القيادة العامة مناسبة لا تستدعي فقط استحضار الألم، بل إعادة طرح السؤال الذي ظل معلّقاً منذ يونيو 2019: كيف يمكن لبلد يسعى إلى انتقال ديمقراطي أن يتجاوز جرحاً لم تُكشف حقائقه ولم يُحاسَب مرتكبوه؟ فغياب العدالة، كما تشير الوقائع، لم يكن مجرد تقصير إداري أو سياسي، بل كان عاملاً مركزياً في إعادة إنتاج العنف، وصولاً إلى الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 وأدخلت السودان في واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية.
وفي هذا السياق، جاء بيان مركز الخاتم عدلان ليعيد التأكيد على مطلب ظلّ حاضراً منذ اللحظة الأولى: الكشف الفوري والشفاف عن نتائج التحقيق في المجزرة، وتوضيح أسباب التلكؤ الذي استمر لما يقارب سبع سنوات منذ تشكيل اللجنة في أكتوبر 2019. وطالب المركز بمساءلة الجهات التي عطّلت إجراءات العدالة أو حجبت الحقائق، مؤكداً أن معرفة الحقيقة وجبر الضرر هما الشرطان الأساسيان لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات.
كما دعا المركز الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان إلى إنشاء آلية دولية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت خلال فض الاعتصام، وجمع الأدلة وتحديد المسؤولين عنها وفق المعايير الدولية. هذا المطلب يعكس إدراكاً متزايداً بأن العدالة المحلية، في ظل الظروف السياسية الراهنة، لم تعد قادرة على القيام بدورها، وأن الضحايا وأسرهم بحاجة إلى ضمانات تتجاوز حدود المؤسسات الوطنية.
وفي بيانه، عبّر المركز عن تضامنه مع أسر الشهداء والمفقودين والناجين، مؤكداً أن مجزرة الثالث من يونيو 2019 كانت انتهاكاً صارخاً للحق في الحياة وحرية التجمع السلمي والكرامة الإنسانية، وأنها شكّلت نقطة تحول مأساوية في مسار الانتقال السياسي. فقد تعرّض آلاف المعتصمين السلميين لهجوم واسع النطاق اتسم بالاستخدام المفرط للقوة والقتل خارج نطاق القانون، وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 128 شخصاً، وإصابة الآلاف، وفقدان نحو 40 شخصاً لا يزال مصيرهم مجهولاً، إضافة إلى عشرات حالات العنف الجنسي الموثقة.
وتشير شهادات موثوقة إلى أن بعض الجثث أُلقيت في النيل بعد ربطها بكتل خرسانية، في مشهد هزّ ضمير السودانيين والعالم. ورغم فداحة هذه الوقائع، لم تتواصل اللجنة الرسمية مع الضحايا أو أسرهم، ولم تُصدر أي نتائج تحقيق جادة، ولم يُحاسَب أي من المسؤولين، ما جعل القضية واحدة من أبرز حالات الإفلات من العقاب في تاريخ السودان الحديث.
ويذهب كثيرون إلى أن هذا الإفلات لم يكن مجرد نتيجة للضعف المؤسسي، بل كان جزءاً من نمط سياسي أوسع سمح بتراكم الانتهاكات، وصولاً إلى الحرب التي اندلعت في أبريل 2023. فغياب العدالة، كما تشير التجربة السودانية، لا يطوي صفحة الماضي، بل يفتح الباب أمام تكرار المأساة.
ومع دخول الحرب عامها الرابع، تكشف البيانات الدولية حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان اليوم. فقد تجاوز عدد القتلى 150 ألف شخص وفقاً لمشروع بيانات مواقع النزاع المسلح ومنظمة الصحة العالمية، بينما بلغ عدد النازحين داخلياً 9.5 ملايين شخص، ووصل عدد اللاجئين في دول الجوار إلى 4.4 ملايين. ويحتاج نحو 34 مليون شخص — أي شخصان من كل ثلاثة سودانيين — إلى مساعدات إنسانية عاجلة، بينما يعاني 4.2 ملايين طفل من سوء التغذية الحاد. كما وثقت منظمة الصحة العالمية 201 هجوماً على المرافق الصحية منذ اندلاع النزاع.
وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، شملت القتل الجماعي، والقصف العشوائي، والعنف الجنسي، واستخدام الأسلحة الكيمائية، والتعذيب، والإخفاء القسري، والتجنيد القسري للأطفال، واستهداف العاملين في المجال الإنساني والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وفي ضوء هذه الوقائع، يصبح الربط بين مجزرة فض الاعتصام والحرب الحالية أكثر وضوحاً: فالإفلات من العقاب لم يكن مجرد فشل في تحقيق العدالة، بل كان عاملاً بنيوياً ساهم في انهيار الثقة بين الدولة والمجتمع، وفي ترسيخ ثقافة العنف، وفي إضعاف فرص بناء انتقال ديمقراطي مستقر.
وبينما تحيي البلاد الذكرى السابعة للمجزرة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمكن للسودان أن يخرج من دوامة العنف دون كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين؟الإجابة، كما يبدو من مسار السنوات الماضية، لا تزال معلّقة، لكنها تظل شرطاً لا غنى عنه لأي مستقبل سياسي أو إنساني قابل للحياة.
سبع سنوات على فضّ الاعتصام في الخرطوم: كيف يقود غياب العدالة إلى تكرار المأساة؟
— اخبار السودان (@sudanakhbar) June 4, 2026
👇🏾 التفاصيلhttps://t.co/ApJMUdeu9m


0 Comments: