من ثورة 2019 إلى حرب الحاضر: السودان بين تآكل الحلم المدني واستمرار نضال الشارع
من ثورة 2019 إلى حرب الحاضر: السودان بين تآكل الحلم المدني واستمرار نضال الشارع
في عام 2019، شكّلت الانتفاضة الشعبية في السودان لحظة فارقة في تاريخ البلاد، إذ نجحت الجماهير في إسقاط نظام عمر البشير الذي استمر لثلاثة عقود، وفتحت الباب أمام آمال واسعة بالتحول نحو حكم مدني ديمقراطي. وخلال المرحلة الانتقالية، برزت محاولات مجتمعية لتجريب أشكال من الإدارة الذاتية، بالتوازي مع مفاوضات سياسية معقدة بين القوى المدنية والعسكرية. غير أن هذه المسارات سرعان ما تعثرت، مع عودة المؤسسة العسكرية للهيمنة على السلطة، ثم انزلاق البلاد لاحقًا إلى حرب مدمرة خلّفت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث، لتطرح تساؤلات جوهرية حول مصير الثورة وما تبقى من روحها.
في خضم هذه التحولات، بدأ بعض السودانيين بالعودة إلى مناطقهم الأصلية رغم استمرار النزاع، مدفوعين بقسوة أوضاع النزوح. وتصف الناشطة رندا حامد رحلة العودة التي تبدأ عبر مدينة بورتسودان، التي أصبحت المنفذ الجوي الرئيسي، ثم التوجه إلى الخرطوم، حيث تبدو ملامح الدمار واضحة في الأحياء السكنية والبنية التحتية. ويواجه العائدون واقعًا صعبًا يتمثل في تعرض منازلهم وممتلكاتهم للنهب، في ظل ضعف الاستجابة المؤسسية، ما يعكس حجم التحديات التي تعيق جهود التعافي وإعادة الإعمار، رغم تحسن نسبي في الوضع الأمني مقارنة بالفترات السابقة.
وعلى الصعيد الميداني، استعادت القوات المسلحة السودانية السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة في مارس 2025، ما أتاح عودة قدر محدود من الاستقرار إلى بعض المناطق. وتبسط المؤسسة العسكرية نفوذها على وسط وشمال وشرق البلاد، بينما تظل مناطق أخرى خارج السيطرة الكاملة، ما يعكس حالة الانقسام الجغرافي والسياسي التي تعمق من تعقيدات المشهد. ويؤدي هذا الواقع إلى استمرار حالة عدم اليقين، مع غياب أفق واضح لتسوية شاملة تنهي الصراع.
سياسيًا، تشير تطورات المشهد إلى عودة وجوه وشخصيات ارتبطت بالنظام السابق إلى مواقع مدنية، ما يعزز الانطباع بعودة النخب القديمة التي كانت أحد دوافع اندلاع الثورة. وفي الوقت ذاته، شهدت ذكرى انطلاق الحراك الشعبي حملات اعتقال طالت ناشطين ومنظمين، في مؤشر على تضييق المساحات السياسية أمام القوى المؤيدة للتحول الديمقراطي، واستمرار الصراع بين رؤى الحكم المدني وهيمنة السلطة العسكرية.
في المقابل، لعبت لجان المقاومة دورًا محوريًا منذ اندلاع الثورة، حيث نشأت كشبكات تضامن مجتمعي في مواجهة تراجع دور الدولة خلال السنوات الأخيرة من حكم البشير. وقد أسهمت هذه اللجان، بالتعاون مع النقابات المهنية، في تنظيم الاحتجاجات، وواصلت عملها بشكل مستقل بعد المرحلة الانتقالية، متبنية نهجًا أفقيًا قائمًا على المشاركة. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحولت هذه اللجان إلى العمل الإنساني، من خلال إنشاء غرف استجابة طارئة لتنسيق المساعدات وتقديم الدعم للمجتمعات المتضررة، في ظل انهيار مؤسسات الدولة.
ورغم أهمية هذا الدور، تواجه المبادرات المحلية تحديات متزايدة، خاصة مع اعتماد المانحين الدوليين عليها في إيصال المساعدات. فمتطلبات الشفافية والرقابة تفرض أعباءً تنظيمية وأمنية على هذه المجموعات، وقد تؤدي إلى تقويض استقلاليتها وتحويلها إلى أدوات تنفيذ لبرامج خارجية. كما يسهم تراجع الدعم الدولي المباشر للتحول الديمقراطي في تعقيد المشهد، حيث تعتمد بعض الجهات على قوى مدنية في الخارج، ما يطرح تساؤلات حول مدى تمثيلها للواقع داخل البلاد.
في ظل هذا الواقع المعقد، يتشكل مستقبل السودان بين قوتين أساسيتين: مؤسسة عسكرية تمتلك أدوات السلطة والنفوذ، وجماهير شعبية، خاصة من الشباب، لا تزال متمسكة بأهداف الثورة في الحرية والسلام والعدالة. ورغم صعوبة استعادة الحكم المدني في المدى القريب، يرى كثير من النشطاء أن الحراك الشعبي لم ينتهِ، وأن التجارب التي أفرزتها الثورة، خصوصًا نماذج العمل التشاركي، قد تشكل أساسًا لتحول ديمقراطي مستقبلي، مهما طال أمد الصراع.
الثورة السودانية بعد سبع سنوات: بين الصمود والتعثر https://t.co/ataSTE8QRA
— الراكوبة- أخبار السودان (@alrakoba1) March 27, 2026


0 Comments: