بشريات السراب: حين تتحول الوعود الاقتصادية إلى خداعٍ رسمي
ليس أشد وطأة على معيشة الناس من وعود تُقدَّم في ثوب الأمل وهي في حقيقتها وهمٌ مؤجل. فحين يُبشَّر العاملون بزيادات في الأجور قبل أن تُستكمل دراستها أو تُستوفى شروطها المؤسسية، فإننا لا نكون أمام خطأ عابر، بل أمام ممارسة تضليلية تمس قوت الناس واستقرارهم النفسي. في واقعٍ اقتصاديٍ مأزوم، تصبح الكلمة الرسمية مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون تصريحاً سياسياً.
المنطق البديهي في إدارة السياسات المالية يقتضي أن تبدأ أي خطوة تتعلق بالأجور من الجهات الفنية المختصة، عبر دراسة شاملة لواقع الاقتصاد، وتكاليف المعيشة، ومستويات التضخم، وانهيار القوة الشرائية. هذه الدراسات تُبنى عليها توصيات واضحة، ثم تُدرج في الموازنة العامة، وتُجاز بشفافية، قبل أن تُعلن للناس بوضوح ومسؤولية. تجاوز هذا التسلسل الطبيعي يعني قلب العملية رأساً على عقب.
أما إعلان زيادات مرتقبة قبل اكتمال هذه الإجراءات، ثم التراجع للحديث عن أن الجهات المختصة لم تبدأ عملها بعد، فهو تناقض صارخ لا يمكن تبريره. هذا السلوك لا يعكس ارتباكاً إدارياً فحسب، بل يفتح الباب أمام فقدان الثقة في الخطاب الاقتصادي برمته، ويجعل المؤسسات المعنية تبدو وكأنها مجرد واجهات شكلية لا تأثير فعلي لها.
في مثل هذا المشهد، لا تخرج الاحتمالات عن إطارين: إما أن القرارات محسومة سلفاً، فتتحول المؤسسات الفنية إلى ديكور بلا قيمة، أو أن الوعود أُطلقت دون علم حقيقي بنتائجها، فيكون الأمل قد بيع للناس دون سند. وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: خداع العاملين، وإطالة أمد الانتظار، وتكريس الإحباط في نفوس من أنهكتهم الظروف المعيشية.
الحديث المتأخر عن تآكل القوة الشرائية ليس اكتشافاً جديداً، بل اعتراف بكارثة يعيشها المواطن يومياً. المرتبات لم تعد تكفي سوى أيام معدودة، والأسعار تواصل الارتفاع بلا رادع، فيما تُستخدم الوعود الفضفاضة كمسكنات مؤقتة. هذه “البشريات” تشبه السراب؛ يراها المتعب من بعيد خلاصاً، فإذا اقترب منها لم يجد سوى مزيد من القلق والوعود المؤجلة.
إن ما يحتاجه الناس اليوم ليس خطابات إنشائية ولا تطمينات لفظية، بل سياسات صادقة تُبنى على دراسات حقيقية، وإجراءات ملموسة تحترم عقل المواطن وكرامته. أما النهج القائم على الإعلان قبل القرار، والبشرى قبل الدراسة، فهو نهج غش رسمي، يعكس إفلاساً أخلاقياً وسياسياً لا تقل خطورته عن الإفلاس الاقتصادي ذاته، وسيظل شاهداً على فجوة عميقة بين الخطاب والواقع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق