الجنيه السوداني ينهار… داخل سوق الصرف : كيف أصبح الدولار سيد المشهد؟
في أحد شوارع الخرطوم التي فقدت الكثير من ملامحها التجارية، يقف صرّاف يعمل من متجر نصفه مدمّر، يحدّق في شاشة هاتفه التي تحولت إلى أداة التسعير الوحيدة المتبقية. “السعر ما بيثبت”، يقول الرجل وهو يحدّث زبوناً يبحث عن بضع مئات من الدولارات. “نحن ما بنسعّر… الحرب هي البتسعّر”.
هذه الجملة تلخص واقع سوق الصرف السوداني في مطلع 2026: سوق تعمل خارج المؤسسات، وعملة تتحرك وفق إيقاع الصراع لا وفق مؤشرات الاقتصاد.
سوق موازية أصبحت المؤسسة المالية الأكبر في البلادعلى الورق، ما يزال بنك السودان المركزي الجهة المسؤولة عن السياسة النقدية. لكن على الأرض، تحولت السوق الموازية إلى الجهة الأكثر تأثيراً في تحديد سعر الجنيه.
الدولار يتداول عند 3750 جنيهاً، وهو مستوى لم يعد يثير الدهشة بين المتعاملين. “هذا ليس سعراً مرتفعاً… هذا السعر الطبيعي في اقتصاد بلا دولة”، يقول تاجر عملة آخر يعمل من داخل سيارة متحركة لتجنب المداهمات.
التحقيقات الميدانية التي أجرتها مؤسسات دولية خلال الأشهر الماضية تشير إلى أن أكثر من 70% من تداولات النقد الأجنبي تتم خارج النظام المصرفي، في شبكة تمتد من أسواق الذهب إلى طرق التهريب، ومن تحويلات المغتربين إلى تجارة السلع الأساسية.
انهيار اقتصادي موثّق بالأرقام… لكن السوق تشعر به قبل أن تراه
تقديرات بنك التنمية الإفريقي والبنك الدولي ترسم صورة قاتمة:
انكماش اقتصادي تجاوز 37%
تضخم يقترب من 245%
تراجع الإيرادات الضريبية إلى 2% فقط من الناتج
خسائر مصرفية تفوق 20 مليار دولار
لكن هذه الأرقام، رغم ضخامتها، لا تشرح وحدها ما يحدث في السوق.
المتعاملون يرون الأمر بشكل أبسط:
“الجنيه فقد غطاءه… فقد دولته… وفقد ثقة الناس.”
حرب تعيد تشكيل الاقتصاد من جذوره
منذ أبريل 2023، تغيّر كل شيء تقريباً في بنية الاقتصاد السوداني.
الطرق التجارية انقطعت، الموانئ تعطلت، المصارف أغلقت أو نُهبت، وشبكات الإمداد تحولت إلى مسارات يسيطر عليها أطراف الصراع.
في ديسمبر 2025، سيطرة قوات الدعم السريع على منشآت نفطية رئيسية— بينها حقل هجليج—أدت إلى تعطيل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في البلاد.
“الاقتصاد لم يعد اقتصاد دولة… إنه اقتصاد مجموعات مسلحة”، يقول خبير اقتصادي يعمل مع منظمة دولية. “سعر الصرف اليوم هو انعكاس مباشر لمن يسيطر على الذهب، ومن يسيطر على الطرق، ومن يسيطر على المساعدات.”
الناس في قلب الأزمة: الجوع يسبق الأرقام
في أحد مراكز النزوح قرب ود مدني، تقول أم لخمسة أطفال إنها لم تعد تتابع سعر الدولار. “نحن ما بنعرف الدولار… نحن بنعرف الرغيفة بقت بكام.”
لكن الحقيقة أن سعر الرغيف مرتبط بسعر الدولار أكثر من أي وقت مضى.
تقارير الأمم المتحدة تشير إلى:
نزوح 12.6 مليون شخص
مناطق تقترب من عتبات المجاعة
انهيار شبه كامل في الخدمات الصحية
كل ارتفاع جديد في الدولار يعني:
سلة غذاء أصغر
دواء أقل
مسافة أطول بين الأسرة والحد الأدنى من الحياة الكريمة
البنك المركزي: خطط إصلاح على الورق… وواقع لا يمكن ضبطه
في بداية 2026، أعلن البنك المركزي خطة لإعادة بناء النظام المالي، تتضمن:
خفض نمو المعروض النقدي
تقليص التوسع في القاعدة النقدية
استهداف تضخم عند 65%
لكن داخل البنك نفسه، يعترف مسؤولون بأن أكثر من نصف القطاع المصرفي خارج الخدمة، وأن فروعاً كاملة دُمّرت أو نُهبت، وأن أدوات السياسة النقدية “لا تعمل في اقتصاد فقد بنيته الأساسية”.
رمضان يقترب… والسوق تستعد لموجة جديدة
في أسواق الجملة، بدأ التجار بالفعل في شراء السلع المستوردة استعداداً لرمضان.
هذا يعني شيئاً واحداً:
طلب أعلى على الدولار… وضغط أكبر على الجنيه.
المتعاملون يتحدثون بصراحة:
“إذا استمرت الحرب، الدولار ماشي لـ 5000 جنيه… السؤال ليس هل سيصل، بل متى.”
عملة تُسعَّر بالحرب لا بالاقتصاد
السوق الموازي يكشف أن الجنيه السوداني لم يعد يتحرك وفق قواعد السوق التقليدية.
بل وفق:
من يسيطر على الذهب
من يسيطر على الطرق
من يسيطر على المساعدات
ومن يملك القوة العسكرية على الأرض
في ظل هذا الواقع، يبدو أن أي استقرار في الأسعار ليس سوى هدنة قصيرة في مسار طويل من التدهور، وأن مستقبل الجنيه سيظل رهينة للمعادلة السياسية والأمنية، لا للسياسات الاقتصادية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق