الجمعة، 12 ديسمبر 2025

شبكات الإسلام السياسي وجذور الحرب السودانية: صراع تتجاوز تداعياته حدود الدولة

 

السوداني

شبكات الإسلام السياسي وجذور الحرب السودانية: صراع تتجاوز تداعياته حدود الدولة


تتقاطع في السودان مصالح فاعلين إقليميين كُثُر، نتيجة موقعه الاستراتيجي عند ملتقى البحر الأحمر وحوض النيل ومنطقة الساحل والقرن الأفريقي. هذا الموقع يجعل أي عدم استقرار داخلي مصدرًا لاضطرابات إقليمية تنتشر عبر الهجرة غير النظامية، وتدفقات السلاح، وتنامي الجماعات العابرة للحدود، إضافة إلى التنافس على الموارد الطبيعية والموانئ الحيوية.


منذ عام 1989، دخل السودان مرحلة سيطرة سياسية ذات طابع أيديولوجي واضح بعدما تمكنت جماعة مرتبطة بالإخوان المسلمين من إحكام قبضتها على الدولة. واعتمدت السلطة حينها على مشروع سياسي يسعى لإعادة تشكيل مؤسسات الحكم على أسس عقائدية، ما أدى إلى انغلاق الحياة السياسية وإضعاف البنية المدنية، وترسيخ سياسة أمنية مُحكمة حول القيادة.


وخلال العقود اللاحقة، توسع الحزب الحاكم ليصبح المظلة الفكرية والتنظيمية الأساسية للدولة. جرى ذلك من خلال تعزيز نفوذه داخل الجهاز البيروقراطي، والقطاع الاقتصادي، والفضاء الاجتماعي، بما أدى إلى خلق شبكة سلطوية مترابطة. هذه الشبكات أصبحت هي البنية العميقة التي تُدار من خلالها البلاد، وتُضبط عبرها موازين القوة.


وفي عام 2019، وجدت هذه المنظومة نفسها أمام احتجاجات شعبية واسعة طالبت بإنهاء الحكم الاستبدادي وإقامة دولة مدنية. انتهت تلك الاحتجاجات بسقوط الرئيس عمر البشير وتشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية، في محاولة لفتح صفحة جديدة تقوم على إصلاحات سياسية واقتصادية تُعيد هيكلة الدولة ومؤسساتها.


لكن الفترة الانتقالية تعثرت سريعًا، إذ شهد السودان في أكتوبر/تشرين الأول 2021 انقلابًا عسكريًا أعاد رسم المشهد السياسي بالكامل. تم إقصاء الحكومة المدنية، وتوقفت العملية الإصلاحية، ما أدى إلى تفاقم الانقسام داخل مؤسسات الدولة وتزايد حالة عدم اليقين بشأن مستقبل البلاد.


ومع انهيار مؤسسات الحكم وغياب سلطة مركزية مستقرة، تدهورت الظروف الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة. إذ يحتاج نحو 30.4 مليون شخص إلى المساعدات، بينما يعاني أكثر من 21 مليونًا من انعدام حاد في الأمن الغذائي. وأُعلنت المجاعة في عدة مناطق خلال العامين الماضيين، كان آخرها في الفاشر وكادوقلي، ما يعكس حجم الكارثة التي تتفاقم مع استمرار غياب الاستقرار السياسي والأمني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق